وليد أبو الحرية

اليوم جميعاً نتلقى من الظالم درساً قاسياً. ذاك أننا في البدء تخلينا عن المظلوم الأول”. وليد أبو الخير

لا جديدَ تحت مقصلة الاعتقالات، في الخامس عشر من نيسان، كانت هناك حالة استنفار بحثًا عن وليد أبي الخير، كان وليد مسافرًا من جدة إلى الرياض، لحضور محاكمته. أين يحدث اختفاء الناس أثناء حضور محاكماتهم؟ ليس بالجحيم مؤكدًا.

حابكُ مسرحية المحاكمات، فقدَ صبره في منتصف العقدة، وصنع مشهدًا مقتبسًا من فيلم هوليودي، لأخلاق صبيان المخدرات. السابع عشر من أبريل، السلطات تسمح له باتصال بالزوجة سمر، لدقيقة واحدة، عن أربع وعشرين ساعة من القلق. يتأكد ما كان أفضل له أن يكون هاجسًا؛ ذهب وليد إلى الحاير. بعد أسبوع آخر؛ يذهب محامي وليد، فيجد فجأة جلسة محاكمة سادسة له، لا تمتّ بأي شكل كانت لأجله برتوكولات القضاء العادل.

تقول التقارير، إنه مسجون في زنزانة انفرادية ضيقة، وتُسلّط عليه الأضواء الساطعة طوال اليوم لحرمانه من النوم. في تحديث آخر، اتصالاً لذويه يتطلب إحضار أدوية ومستلزمات أخرى (يعاني وليد من مرض السكر)، بدأت المنظمات الدولية المناشدات، للإفراج العاجل والفوري عن وليد، وتحميل المسؤولية للسلطات لأي شيء يترتب على وليد، مشكلة المنظمات الحقوقية، إنها منظمات حقوقية، لكنها تعطينا أملاً، واستنادًا لأن نقول هذا جائر يا سيادة الكتاب الأساسي للحكم، هذا ظلم يا حضرة وزارة العدل، وكل ميزانيات الهباء المرصودة لك، الحكم العادل لا يحتاج ريالات كثيرة، يحتاج قضاة مستقلون. سيبنون قاعات محاكم مهيبة، ستكون آخرًا لعناصر المباحث، يسربون فيها بأعداد أكثر من الحضور، الذين منع جلّهم -حارس الأمن- من الدخول، عند بوابة المحكمة المهيبة ذاتها.

وليد خريج لغة عربية، وحامل ماجستير في الفقه وأصوله، تلميذ الحلقات بالمسجد النبوي، مع ذلك؛ هو أكثر من يواجه حملة تخوين قذرة ضده، من أناس لا ينتمون للسلك الأمني بصلة. فرق يحسب لوليد، أن البقية قد يعانون من اللامبالاة والفتور، بينما هو من تصافّ الأحقاد والاتهامات. لا يمكن حصر كم مرة خوطب بأبي الشرّ.

يكتب وليد تغريدة عن خبر محاكمته، فيردّ مجهول نكرة: “سوف تخلد بالسجن بإذن الله”. لا يكفي أن تتيقن بالسجن، مُرادٌ لك تعذيب نفسي مستمر، تخويف واتصالات مجهولة، مضايقة بالرزق، إرهاب معنوي مقوِّض، لا تقام له مؤتمرات، ولا تحذر منه بسطحية الإذاعة المدرسية. متهم بزيارة السفارات، وهو أول من يشتكي مَحين إيجار شقته الصغيرة.

لا أهمية للقول أصاب وليد وأخطأ، لم يكن مرجوًا أن يكون نبيّا. كان رجلاً يسعى، كل ما في القضية. لا أهمية لسرد لائحة الاتهامات، نكات معادة، وتمعن في المرارة. واحدة تقول: “استعداء المنظمات الدولية ضد المملكة”. “استعداء” وكلّ رائحة التكوينات القبلية. نظام مهدد بمكالمة سكايب لمؤسسة حقوقية. في النهاية المنظمة تصدر بيانًا لطيفًا، يبدأ بـ: “على السعودية …”، يصل الفاكس لمكتب المخبر، يسقط محشورًا، عند بيانات مشابهة أخرى.

تشويه “سمعة” البلاد، البلاد في انتظار العرسان. البلاد لا تود خسارة الصفقة أمام الكواكب الأخرى. إذن، بلاد عبارة عن أسرة متحفظة، تسير بطريقة روشتات الحياة الزوجية السعيدة (لا تنشري مشاكلكما خارج المنزل)، في الداخل،عملية ركل وتعنيف يومية لشعب المنزل، نحو الحيطان الصماء.

ذهب وليد، مناضل الحقوق والحريات، المدافع عن إنسانية الإنسان. الإنسان هو عنصر غير مرغوب به في عملية التصدير النفطي. لا حقوق لإنسان هنا يا صغيري. هيّا إلى حقوق وحريات الحيوان. حرية تجول الجرذان في المطارات الدولية، حقوق تواجد الصراصير بالمرافق الحكومية. حقوق صقور سموه الباهظة، واجبات اليمام في الترحيب بنهشها. حقوق الضبان أن لا تصطاد المئات مرة واحدة -أنا جادة هذه المرة- نحن سوق بشري رخيص داخل حدود دولية، مجموعة باقية لم تُسفح في حادث مروري، أو لم تذهب نحو السجن بعد، محظوظة كفاية لأنها لم تحتج لكتابة استجداء علاج فشل كلوي.

ذهب وليد، لا يحتاج هذا لكثير من الكلام والهراء العابر، لفرك الأيدي بحثًا عن أسطر. يحتاج للألم، والإيمان بالقضية أكثر. وليد يتأذى في زنزانة ضيقة. عضوان يدب بالهواء الطلق. لا اعتراض على العدالة الإلهية. “مقادير” يتأوه مداح. دنيا تسير في غير ما يجب أن تكون عليه، حالًا ومآلًا.

كتب وليد مرةً: “الأجمل في كل ما يجري، أن ثمة قصة صمود بديعة نرويها”.  بالصورة التي تجمعه وأساطين النضال، الصورة التي تلفهم ضحكة، لمجموعة رجال شرفاء، خارجين من محاكمة، تلو محاكمة، جربوا أنواع التخويف والمحاصرة. كان أمامهم التسليم سهلًا جذابًا، ومريحًا في كل الأحوال، لكنهم اختاروا أن يمضوا مع “لا” بكل عزيمة وإيمان.

يتحدث الكثير عن مناضلي القرن الماضي، في بلدان بعيدة. سوف تُروى أجمل قصة صمود من أرضنا، عن أنصع شخصيات النضال والكرامة، لهذه الألفية، التقينا الفصول الصعبة في سيَرهم. التقدير والاعتراف مسألة وقتية هينة. قد يخرج وليد غدًا، أو بعد ثلاثة أشهر فقط، أو ربما بعد ثلاث سنين. من الصعب تكهّن مشيئتهم. لمعلوماتك، لإحباط توقعاتك قليلًا، الشياطين الصغيرة فحسب من تصفد برمضان، الأبالسة موجودون بكل الأوقات، أيها العبد المؤمن.

سننتظر وليد، نؤقّت مواعيدَ للأسى والفرح، لأعداد من الأحرار، ننتظر شمسًا، ننتظر كسوفًا، نتلو “وتلك الأيام”.

سجن؟ بسيطة. إننا لا نغفر، ولا ننسى.

Advertisements
المقالة التالية
أضف تعليق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: