النهر يحفر مجراه

النظم العربية بارعة في توصيف التهم للمعارضين: تعكير الصفو/ تكدير الجو/ هزّ الثوابت (علشان البرتقال يوقع منها)/ إغضاب البورصة/ إطلاق شائعات إلى الفضاء الخارجي/ التطاول على الرموز/ التشكيك والتفكيك وإعادة التركيب/ البلبلة في الحمام/ شق الصفوف وإضافة التوابل إليها/ تهديد الوحدة الصحية/ إزعاج السلطات أثناء نومها..”.
الساخر الحاضر الغائب جلال عامر.

*    *    *

غاب وليد أبو الخير إذاً، أو للدقة غُيّب وليد كما تمّ تغييب آخرين عن الساحة، وستستمر منهجية التغييب بالاعتقال، بليّ ذراع القانون أو بدونه، باختلاق التهم المضحكة إيّاها أو بدونها، بارتجال مسرحية محبوكة اسمها مجازاً محاكمة أو بدونها، وما منكم –أنتم أيها السذّج الذين لا يزالون يتمسكون بحلم دولة الحقوق والمؤسسات والحريات- إلا واردُ السجون والمعتقلات، كان ذلك عليكم حتماً مقضياً.

ملف الاعتقالات في تضخم مستمر، ولا حل قريب يلوح في الأفق. يدرك الكثيرون اليوم أكثر من ذي قبل أن السلطات لا تنوي حلّ هذا الملف الحساس ولا الاستغناء عنه. وما الذي يمكن أن يدفعها لذلك وقد أثبت الاعتقال جدواه ليس فقط في التنكيل بالمعارضين والإصلاحيين، وترهيب كل من سيفكر بأن يحذو حذوهم، لكن في عزل الأصوات الحقوقية والمعارضة عن المجتمع أيضاً، وفي تغييبهم وتغييب فكرهم ومطالبهم وهمومهم. هذا التغييب المفروض هو الميزة الأقوى للاعتقال السياسي، وفي التاريخ المحلي الحديث يمكن رصد الكثير من اللحظات التي أثمرت فيها سياسة التغييب وكانت الاعتقالات بالجملة كافية ليعبر السياسي مراحل مدلهمة بأقل الأضرار.

لماذا على الوضع أن يكون مختلفاً في زمن الربيع العربي وفي ظل التحولات السياسية التي تجتاح المنطقة كلها؟ فلتمتلئ السجون. لطالما كان هذا الحل الأبسط والأقل كلفة والأكثر جدوى.

بتغييب وليد أبو الخير تخلو الساحة الحقوقية-السياسية السعودية من آخر فرسانها، سبقه لذاك المصير إصلاحيو جدة وأعضاء حسم، سبقه نشطاء حقوقيون لم يتوانوا عن رفع أصواتهم بشجاعة أمثال محمد البجادي وفاضل المناسف، كل هؤلاء غُيّبت أصواتهم، ولم يبق منهم سوى وسوم تويترية نزورها أفواجاً في المواسم والمناسبات لننزف عندها بعض عجزنا ثم نمضي.

لا أقصد بما سبق، التقليل من جهود من تبقوا من القلائل القابضين على جمر معتنقات الحرية والعدالة وحلم دولة المؤسسات والحقوق –معاذ الله- لكن لابد من أن نصارح أنفسنا ونعترف بأن الفراغ الذي حدث ونستشعره جميعاُ بتغييب وليد أبي الخير فراغ كبير لا يوجد بيننا من يمكنه ملؤه، ليس في الوقت الراهن على الأقل.

النهرُ يحفرُ مجراه كما قالها شيخنا الحامد، يحفرُ مجراه ببطء وتؤدة، لكن كذلك بثبات مستمر، وهذا الثبات واستمراريته ومضة أمل سنعضّ عليها بنواجذنا كي لا نهلك غماً.

النهرُ يحفرُ مجراه بتضحيات جسيمة يقدّمها عشرات المغيّبين، يحفرُ مجراه بفكرة وضيئة تحملها تغريدة عابرة تظهر في تايملاين، صبي عابث لا يشغله في الحياة سوى متابعة مباريات الدوري المحلي، لكن الفكرة تستقر في ذهنه دون وعي منه وستجد طريقها لتزهر داخله يوماُ ما، النهرُ يحفرُ مجراه بصرخة تطلقها امرأة واهنة تقف على عتبات وزارة الداخلية لتسأل عن أب/ زوج/ أخ مغيّب لا تعرفُ عنه شيئاً، فتخترق صرخاتها آذان العابرين في الشارع، ولا تثير فيهم ردة فعل من أي نوع سوى ربما شعور خافت بالاستنكار لوقاحتها في التعبير عن حنقها من السلطات، لكنهم حين يعودون إلى بيوتهم و يتوسطون المجلس بين أبنائهم وأحبتهم، ستبقى صرختها ماثلة في أذهانهم وسيدركون حينئذٍ أنها لامست شيئاً من نخوة لا تزال قابعة في أعماقهم رغم محاولاتهم للتنكّر لها.

النهرُ يحفرُ مجراه بنكتة خبيثة يطلقها أحدهم على النت عن الشبوك، فيضحك لها الآلاف، وتهتز أجسادهم، وتدمع عيونهم، لكنهم ما إن يتبدد الضحك حتى يتلمس كل واحدٍ منهم في حذر الحقيقة الجارحة في ثنايا تلك النكتة البريئة في ظاهرها، المحمّلة بأطنان من الشعور بالغبن والإدانة الصامتة في باطنها.

النهرُ يحفرُ مجراه وحتى ذلك الحين لا تتوقفوا عن الحلم، لا تتوقفوا عن السعي لتحقيقه، لا تتوقفوا عن انتقادهم، لا تتوقفوا عن السخرية منهم. لن يغيب وليد ورفاقه ما دمنا نحمل بذور أفكارهم ومطالبهم ونسعى بدورنا بما نستطيع لنشرها.

وأنت يا وليد.. أنت الأقلية وسط الأقلية، أنت الاستثناء في هذا الوطن. أنت صاحب القلب والفكر الذي اتسع ليوسف الأحمد ورائف بدوي في آنٍ واحد حين تعرضا للظلم. أنت أحد الذين سعوا بصدق وإخلاص لتأسيس ثقافة إصلاحية، ووعي حقوقي، لا مكان فيه للحزبيات والمذهبيات، لم تكتفِ بالقلم والتنظير كما فعل كثيرون غيرك ممن سقط تنظيرهم أمام أول اختبار، بل أسبقت القول بالفعل وبالمبادرة. ودفعت ثمن ذلك النضال تشويهاً وتنكيلاً من الغوغاء، غوغاء الحزبيات قبل غوغاء التابعين للسلطة.

يوماُ ما، ستثمر هذه التضحيات.. يوماً ما سيجري النهرُ سيلاً!!!

Advertisements
المقالة السابقة
أضف تعليق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: