الحقوقي.. بين النفس والأخلاق

نفسيّة الحقوقي

أندرو أكس الذي كان يتحدث عن أصدقائه الحقوقيين في بريطانيا، كان يلاحظ تلك الأدواء النفسية التي تسيطر على بعض الحقوقيين مثل التصرف كخبراء ومحاولة احتكار مسمّى الحقوق والعمل الحقوقي ليكونوا هم أقلية ونخبة، ويمارسون هذه الأشياء بطريقة لاشعورية لدرجة أن يستمتعوا بلعب دور “الأقلية الراديكالية” التي تبحث عن التغيير، وهم بهذا يبتعدوا كل مرة أكثر عن الناس وعن الطبقات الفقيرة والمحرومة التي يفترض أنهم يمثلونها ويتحدثون عنها (Give Up Activism by Andrew X).

وهكذا، هم مع الوقت يحرص البعض على تضييق نطاق الحقوق وتحديد وتعريف الحقوقي بشكل صارم وحرفي لكي يتم عزل فئات كثيرة عن هذا العمل المدني الجماعي، في الوقت الذي يرى الحقوقي أن يتحدث عن “الناس” ولهم وإليهم؛ فهو ليس للاستلذاذ بممارسة دور النخبة عوضاً عن العيش داخل الناس والاستفادة منهم.. فالحقوقي ليس له شارة، بل هي قضايا وحقوق، كل من دافع عنها فهو حقوقي ما دام يحمل هذه القيم الحقوقية. ففي السعودية مثلاً، الأستاذ وليد أبوالخير ود. يوسف الأحمد ود. عبدالله الحامد ود. محمد القحطاني وأ. محمد البجادي وأ. محمد سعيد طيب ود. عبد الكريم الخضر ود. توفيق السيف وآخرون كثيرون من تخصصات مختلفة وخلفيات ثقافية متفرقة كلهم يمارسون نشاطاً حقوقياً بدرجة أو بأخرى.. وهذا التعدد هو مجال غنى للتجربة الحقوقية وليس نقطة ضعف.

أخلاقية الحقوق

في جدل الاحتراب مع الاستبداد، قد يستخدم الحقوقي أشكالاً مختلفة لفضح الفساد والظلم والبغي، لكن كل ذلك لا يبرر على الإطلاق أي شكل من أشكال التجاوز والاعتداء أو الزيادة بعد أخذ الحق، (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، وقوله تعالى: “إن الله لا يحب المعتدين” صيغة خبرية لا تقبل النسخ فهي أبدية خالدية في حكاية كره الله سبحانه للاعتداء وهو الزيادة بعد أخذ الحق.

فالنضال ضد الاستبداد لا يبرر على الإطلاق قبول كل رواية تقدح فيه حتى ولو كانت كاذبة أو التزيد في الحديث أو استخدام اللغة الفضائحية الشخصية التي قد يستخدم الناقد أو الحقوقي أشخاصاً أبرياء لا علاقة لهم بالخطأ، ولكن قدرهم أن يكونوا أقرباء أو يشتركون في اسم أو تاريخ، فإن النقد العادل لا يمارس مهمة فضائحية تتحول من نقد المشاريع والمؤسسات والأفكار والحكومات إلى نقد الأشكال والاسماء والعوائل وغيرها.

العمل الحقوقي لكي يبقى نبيلاً ويحمل ذات المصداقية عند الناس يجب أن لا يمارس الظلم أو الاعتداء؛ فإن هذا مهما كان مبرراً بشكل بشري في حدود ردة الفعل والانتقام، إلا أنه ليس مبرراً في قواعد الأخلاق.

ومن الإشكاليات الحقوقية الأخلاقية؛ الهوس في ممارسة الشك تجاه كل عامل أو ناشط أو ناقد او مشارك أو قريب من العمل الحقوقي بأنه “مدسوس” أو “مخبر”، فإن ترويج الشك والمبالغة فيه هو غرض أساسي للاستبداد ذاته لقطع أواصر التعاون المدني وإشاعة الخوف والترقب، والتحفظ والتخوف، وحتى لو كان بالفعل ثمّ مندسون مخبرون، فإن الذكاء الحقوقي هو في التعاون مع الجميع فيما يخدم قضية الحقوق ذاتها ما دامت القضية العادلة، فالقضايا العادلة يحق للجميع التعاون مع الجميع لأجلها بغض النظر عن المقاصد والأغراض ورائها والمهم أن تبقى هذه القضايا عادلة.

قطع صلات العمل المدني والحقوقي ببعضه عبر بث الشك والرعب من كل أحد والشك بكل أحد هو في النهاية لا يخدم العمل الحقوقي، بل يساعد على إشاعة التهم (بغض النظر عن صدقها من عدمه) التي تمنع رواج الفكرة وتعيق وصول القضية العادلة لشريحة أكبر بسبب ظلال الشك والخوف والترقب الأمني.

عادات الشك والترقب والحذر هي صفة المنظمات السرية التي تخفي برامجها السرية أو أجنداتها السياسية أو شخوصها القياديين، لكن في العمل الحقوقي والمدني ميزته الرئيسة هو أنه عمل مكشوف يكتسب شرعيته وصموده من وضوحه وشفافيته وعدم خوفه من فتح ملفاته المعلنة وقضاياه الواضحة .

تجديد الاعتراف بالحقوق

 برغم كل هذه المحاولات النقدية، إلا أن العمل الحقوقي في الخليج والسعودية قفز خطوات كبيرة نحو تحقيق أحلامه ودعم قضاياه وكسب حضوراً شعبياً لا يحلم به الكثير من الناشطون في أماكن مختلفة من العالم بهذه السرعة، ولأجل كل هذا كان النقد ومحاولة القراءة عملاً ضرورياً كي يحافظ الحقوقي على لياقته وقبوله للتعددية والاختلاف، وبرغم كل الجهود التي تبذلها “المؤسسة الرسمية” والإعلام التقليدي لضرب العمل الحقوقي؛ إلا أن كل ذلك ينبغي أن لا يكون حجة للتوقف عن ممارسة النقد العلمي عليه في سبيل تطوير أدائه وعمله وهو يعمل في ظروف مربكة مختلفة وفي أرضٍ تتخطف الثورات ورياح التغيير ودعوات الإصلاح جنباتها من كل صوب.

 وأدق ما يمكن تلخيص العمل الحقوقي فيه هو تلك المقولة التاريخية التي قالها أحدهم وربما نسبها للشعبي كما نقلها أبو نعيم، مقولة تجمع قيمة الناس وتعترف بهم وتقدر حتى “الغوغاء”، وفي ذات الوقت تتحدث عن العمل المدني في حفظ أشياء الناس والاهتمام بشئونهم وشجونهم اليومية كما تتحدث عن مكافحة الاستبداد وولاة السوء، فيقول: “نعم الشيء (الحقوقيون)؛ يسدون السيل، ويطفئون الحريق، ويشغبون على ولاة السوء” (حلية الأولياء لأبي نعيم: 4: 324).

Advertisements
المقالة السابقة
أضف تعليق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: